من أسباب الثبات على الحق

 من أسباب الثبات على الحق


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه
أما بعد:

إن الثبات على الحق هو الغاية التي يسعى إليها كل لبيب، وهي من أعظم نعم الله على العبد في زمن الفتن والشبهات.

ويمكن تلخيص أهم أسباب الثباتعلى الحق في النقاط التالية:

​أولا: الإقبال على القرآن الكريم ​يعتبر القرآن الكريم هو المصدر الأول للثبات، فهو حبل الله المتين ونوره المبين، وصراطه المستقيم فإن تدبر آياته والعمل بمقتضاها يورث القلب طمأنينة ويقيناً لا يتزحزح، كما قال تعالى: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ}.

و​لقد تكرر ذكر الثبات في القرآن الكريم في مواضع عدة، تؤكد أن التمسك بالوحي هو أصل النجاة ف​القرآن مصدر لتثبيت الفؤاد: قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} سورة الفرقان: ٣٢.

وقال تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} سورة إبراهيم: ٢٧.

وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} سورة النساء: ٦٦.

ثانيا: التمسك بالسنة عند الفتن: قال النبي صلى الله عليه وسلم في وصيته الجامعة: "فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ"، والخلفاء الراشدين: هم أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبي طالب رضي الله عنهم، لأنهم وتلاميذهم من الصحابة هم الأقدر على فهم مراد النبي صلى الله عليه وسلم وتطبيقه واقعاً.

ثالثا: وضوح المنهج والطريق قال تعالى: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} سورة الأنعام: ١٥٣. فتعد هذه الآية الكريمة أصلاً جامعاً في تقرير وحدة المنهج ووضوح طريق الحق.
قال صلى الله عليه وسلم: "تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك"؛ وهذا يؤكد أن الحق بينٌ لا خفاء فيه لمن أراد الدليل، وهو طريق الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة.

​رابعا: لزوم المنهج العلمي القائم على الدليل ​الثبات لا يأتي من فراغ، بل من قناعات راسخة مبنية على الحجة والبرهان. قال تعالى ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ سورة البقرة: ١١١.

بعيدا كل البعد عن التقليد الأعمى، والتعصب المقيت قال تعالى في وصف اهل الباطل والضلال:  ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ سورة البقرة: ١٧٠.، وهذا فيه ذم التقليد الأعمى فالواجب الحرص على تعلم العقيدة الصحيحة من مصادرها الأصلية الكتاب والسنة لا بالتقليد والتعصب المقيت الأعمى.

خامسا:​ قرن العمل بالعلم ف​العلم بلا عمل لا يثمر ثباتاً، بل قد يكون حجة على صاحبه فكلما عمل الإنسان بما علم، ثبته الله وزاده هدى.​ قال تعالى: ​{وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} سورة النساء: ٦٦، وهذا نص صريح في أن الامتثال للوعظ والعمل بالعلم يورث العبد ثباتاً في دينه، ويُروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: «هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل».

سادسا:​  الالتفاف حول العلماء الربانيين ​صحبة أهل العلم والفضل وملازمتهم من أعظم أسباب الثبات؛ فالعلماء هم ورثة الأنبياء، وبهم يُهتدى في الظلمات، وهم المرجع عند الفتن لبيان الحق من الباطل يقول تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} سورة النحل: ٤٣.
وجاء في الحديث أن العلماء هم صمام أمان من الضلال والفتن فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، ولَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بقَبْضِ العُلَمَاءِ، حتَّى إذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فأفْتَوْا بغيرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وأَضَلُّوا» متفق عليه.

سابعا: كثرة الدعاء والافتقار إلى الله فالقلوب  بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، قال تعالى: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} سورة آل عمران: ٨.
وكان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك". فالثبات منة من الله تبارك وتعالى تُطلب بالتضرع منه سبحانه وتعالى.

ثامنا: الصبر على الأذى في سبيل الحق ​طريق الصراط المستقيم محفوف بالمكاره، والثبات عليه يتطلب نفساً صابرة محتسبة، تدرك أن العاقبة للمتقين. قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ*وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} سورة العنكبوت: ٢ - ٣.
وجاء في السنة النبوية أ​شد الناس  بلاء الأنبياء فالأمثل فالأمثل فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قلتُ: يا رسول الله، أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فيُبتلى الرجل على حسب دينه...» رواه الترمذي.

​تاسعا: اعتزال أهل الباطل ومواطن الشبهات ​الحذر من مخالطة أهل الأهواء، أو القراءة في كتب الضلال دون تحصين علمي كافٍ؛ فـ "القلوب ضعيفة والشبه خطافة"، ومجانبة الفتن هي أصل السلامة.

ف​إن الثبات على المنهج الحق هو ثمرة لمجاهدة النفس والاستقامة على أمر الله، وهو الطريق الوحيد لنيل رضوان الله والفوز بجناته.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

كتبه
أبو أنس عبدالحميد بن علي الزوي
وفقه الله تعالى وسدده
٢١ من شهر صفر عام ١٤٣٧ من الهجرة النبوية. 
الموافق ٢ ديسمبر ٢٠١٥ ميلادي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

من أحكام يوم الجمعة

نبذه مختصرة على كتاب القواعد الأربع

من أسباب ضعف الإيمان