نبذه مختصرة على كتاب القواعد الأربع
نبذه مختصرة على كتاب القواعد الأربع لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب التميمي -رحمه الله- وغفر له.
بقلم / أبي أنس عبدالحميد بن علي الزوي -وفقه الله تعالى ونفع به-.
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبدُه و رسولُه.
{يَاأَيها الذين آمَنُوا اتقُوا اللهَ حَق تُقَاته ولا تموتن إلا وأنتم مُسلمُون}[سورة آل عمران:102].
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}[سورة النساء:1].
{يَاأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقُولوا قَولاً سَديداً يُصلح لَكُم أَعمالكم وَيَغفر لَكُم ذُنُوبَكُم وَمَن يُطع الله وَرَسُولَهُ فَقَد فَازَ فَوزاً عَظيماً}.[سورة الأحزاب: 70،71].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فهذه نبذه مختصرة عن كتاب القواعد الأربع لصاحبها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي -رحمه الله تعالى وغفر له- المتوفي عام (1206هـ) وسبب تأليف هذه الرسالة هو معرفة التوحيد الذي بعث الله به الرُسل عليهم الصلاة والسلام، وأنزل به الكتب، ومعرفة الشرك الذي حذر منه رب العزة جل وعلا وبين خطره وضرره في الدنيا والآخرة، ولا شك أن من لا يعرف التوحيد وما يُضاده من الشرك فهو على خطر عظيم، وكما قيل "ومن لا يعرف الخير من الشر يقع فيه".
ومن شفقة الشيخ ورحمته على تعليم الناس التوحيد أنّه في الغالب يبدأ كُتبه بالدعاء، وهذا من علامات صدق وإخلاص الداعي إلى ربّه وحرصه على المدعو، وهذه هي طريقة الشيخ في كتاباته كالأصول الثلاثة وغيرها من الكتب والرسائل.
وذكر المؤلف رحمه الله في رسالته ثلاثة أسباب من أسباب السعادة للمؤمن وهي أنه:
1- (إذا أُعطِيَ شكر) فالشكر نعمة من الله جل وعلا على العبد فإذا شكر العبد ربه تبارك وتعالى على نعمه زاده من الخير وكما قيل بالشكر تدوم النعم قال سبحانه وتعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [سورة إبراهيم: (7)].
2- (وإذا ابتُلي صبر) فالله جل وعلا يبتلي العباد ليختبرهم ويمتحنهم قال تبارك وتعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَاءُ وَٱلضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} [سورة البقرة: (214)].
وقوله تعالى: {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ} [سورة العنكبوت: (1-2)].
فيُبتلى المرء على قدر إيمانه وجاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله إذا أحبّ قوماً ابتلاهم، فمن صبر فله الصبر ومن جزع فله الجزع ".
3- (وإذا أذنب استغفر) فمن سعادة العبد كلما أَلَّم بذنب استغفر ربه جل وعلا، ومن يغفر الذنوب إلا الله سبحانه وتعالى فجاءت آيات كثيرة في كتاب الله تحثُ المسلم على التوبة والاستغفار قال تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} [سورة النصر: (3)]، وقال تعالى: {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم} [سورة المزمل: (20)]، وغيرها من الآيات الكثيرة ، فمن أسباب سعادة العبد أن يُكثر من الاستغفار.
وتميز الإمام محمد رحمه الله في مؤلفاته بالاستدلال بمصدرين عظيمين هما كتاب الله جل وعلا، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب الحنيفية وبينها فقال هي أن تعبد الله وحده مُخلصاً له الدين، وتطرق إلى بيان أعظم ذنب وهو الشرك بالله جل وعلا وأنه من أسباب الخلود في النار، ودلّلَ على ذلك بقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [سورة النساء: (48)].
والآيات في التحذير من الشرك كثيرة جداً، وجاء في الحديث الصحيح سئل صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم عند الله فقال: " أن تجعل لله نداً وهو خلقك ".
وبين رحمه الله في المقدمة أن الله تبارك وتعالى ما خلق الخلق إلا لعبادته وذكر قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونَ} [سورة الذاريات: (65)]،
وجاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا معاذ هل تدري ما حق الله على العباد. فقلت الله ورسوله أعلم ، قال صلى الله عليه وسلم : فإن حق الله على العباد أن يعبُدوه ولا يشركوا به شيئا "، رواه البخاري
ومثّل الإمام محمد في كتابه بمثل مهم جداً لكل من عقِلَه وفهِمَه بأن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تُسمى صلاة إلاّ مع الطهارة فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت كالحدث إذا دخل في الطهارة، وهذا من فقه الإمام وحُسن بيانه رحمه الله وغفر له .
ثم بين الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-، في القاعدة الأولى .
ما كان عليه المشركون قبل الإسلام وهو إقرارهم بتوحيد الربوبية، كما قال تعالى : {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ}، وأن هذا الإقرار لا ينفعهم ولا يُدخلهم في الإسلام، وهذا هو توحيد الربوبية أي:
إفراد الله بأفعاله كالخلق، والرزق، والملك، والتدبير، كما قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ}[سورة العنكبوت: (61)]
فلابد مع الإقرار بتوحيد الربوبية أن يخص الله جل وعلا بالعبادة فلا يُعبد معه غيره لا مَلَك مقرب ،ولا نبي مُرسل، وغيرها من المعبودات مثل اللات ،والعُزى ،ومناة وغيرها من الأصنام والأوثان، فمجرد الإقرار بتوحيد الربوبية فقط لا يَعصِمُ دمائهم و لا أموالهم، وما بعث الله الأنبياء وأرسل الرسل إلا من أجل إفراد الله بالعبادة ، كما قال تعالى:
{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ} [سورة النحل: (36)].
ثم تطرق -رحمه الله- في القاعدة الثانية: إلى حال المشركين في شركهم بالله جل وعلا وهو شركهم في توحيد الألوهية ،وهو إفراد الله بما يختص به من العبادة، وهذا التوحيد الذي من أجله بعث الله الأنبياء وأرسل الرُسل، وكانت فيه الخصومة بين الأنبياء وأقوامهم، وهذا هو معنى (لا إله إلا الله)، أي: لا معبود بحق إلا الله، فمن صرف نوعاً من أنواع العبادة لغير الله جل وعلا فقد أشرك به سبحانه وتعالى.
وعندما أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على المشركين صرفهم العبادة لغير الله جل وعلا قالوا نحن ما قصدنا أنهم يخلقون أو يرزقون أو يدبرون الأمور، بل نعبدهم ليقربونا إلى الله ويشفعون لنا .أي:
جعلوهم وسائط، واحتجوا بدعوتهم هذه بقولهم:{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}[سورة الزمر:3]، وقوله تعالى:{وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ}[سورة يونس:18]،
وهذا عين الشرك بالله جل وعلا فقالوا : نعبدهم ليشفعوا لنا ويقربونا إلى الله زلفى، وهذا نوع من أنواع الشرك بالله تبارك وتعالى .
ثم بيّن رحمه الله أن الشفاعة شفاعتان : شفاعة منفية، وشفاعة مُثبتة والشفاعة منها ما هو حق ،ومنها ما هو باطل.
فقال رحمه الله : فالشفاعة المنفية :- ما كانت تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ودلّل بقوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [سورة البقرة: 245]
فما كان يُطلب من غير الله جل وعلا فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو محرم وشرك بالله تبارك وتعالى.
ثم ذكر رحمه الله تعالى الشفاعة المثبتة فقال : هي التي تُطلب من الله تبارك وتعالى ودلّل بقوله تعالى:{مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}[سورة البقرة: (255)]
فالشفاعة الصحيحة: هي التي تطلب من الله جل وعلا .
ثم ذكر المشفوع له وهو من رضي الله قوله وعمله بعد الإذن، ودلل على ذلك بقوله تعالى:{مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}[سورة البقرة: (255)].
فالمشفوع له يجب أن يكون من أهل التوحيد جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّهُ قَالَ : قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ فَقَالَ: " لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ ". رواه البخاري.
فتبين من ذلك أن الشفاعة الصحيحة لها شرطان:
الأول: أن تكون بإذن الله جل وعلا كما قال تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}[سورة البقرة: (255)]، وقال تعالى: {وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سورة سبأ: (23)].
الثاني: رضا الله تعالى عن المشفوع فيه، ولا يرضى الله جل وعلا إلا عن أهل التوحيد، قال سبحانه وتعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إلِّا لِمَنِ ارْتَضَى} [سورة الأنبياء: (28)]، فالشفاعة محصورة في أهل التوحيد والعقيدة الصحيحة.
فبيّن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في القاعدة الأولى والثانية ما كان عليه المشركون قبل الإسلام وهو إقرارهم بتوحيد الربوبية، دون توحيد الألوهية وأن هذا الإقرار لم يدخلهم في الإسلام ،ولم يعصِم دمائهم ولا أموالهم، وبيّن رحمه الله أنّ شِركهم في توحيد العبادة وبين -رحمه الله- الشفاعة المثبتة والمنفية إلى غير ذلك مما في القاعدة الأولى والثانية من مسائل التوحيد.
ثم تطرق في القاعدة الثالثة والرابعة -رحمه الله تعالى- وغفر له.
إلى ما كان عليه المشركون من عبادة غير الله جل وعلا وأنهم كانوا متفرقين في عبادتهم فمنهم من
يعبد الشمس والقمر ومنهم يعبد الملائكة ومنهم من يعبد الأنبياء، والصالحين، ودلّل على ذلك من كتاب الله جل وعلا فقال سبحانه وتعالى:
{وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}[سورة فصلت:37]، وقوله تعال: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً} [سورة آل عمران:80].
وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} [سورة المائدة:116].
وغيرها من الآيات الدالة على تحريم عبادة غير الله جل وعلا، وأنه شرك بالله تبارك وتعالى وأنّ صاحبها خالدٌ مخلد في نار جهنم والعياذ بالله.
وقاتلهم جميعا صلى الله عليه وسلم ولم يفرق بينهم قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه} [سورة الأنفال:39]، وقاتلهم الصحابة من بعده رضي الله عنهم، فالشرك واحد وإن تنوع المعبودون .
وذكر رحمه الله حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهَا : ذَاتُ أَنْوَاطٍ . يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " سُبْحَانَ اللَّهِ، هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: { اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ".
وهذا الحديث فيه فوائد عدة الأولى:- خطر الجهل بالتوحيد فإن من لم يعرف الحق من الباطل يوشك أن يقع في الباطل، وكما قيل:
(عَرَفتُ الشَرَّ لا لِلشَر لَكِن لِتَوَقّيهِ وَمَن لَم يَعرِفِ الشَرَّ مِنَ الخَيرِ يَقَع فيهِ).
والثانية :- خطر التشبه بالمشركين، والثالثة:- أن التبرك بالأحجار والأشجار والأبنية شرك بالله جل وعلا.
ثم ذكر في القاعدة الرابعة: الفرق بين مشركي زماننا والأولين فقال:
إن مشركي زماننا أعظم شركاً من الأولين لأن مشركي زماننا شركهم دائماً في الرخاء والشدة،
أمّا الأولين شركهم في الرخاء فقط، لأن المشركين الأولين كانوا يُخلصون في حال الشدة قال الله جل وعلا: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}
أخلصوا الدعاء لتُجاب حاجتهم ولتُفك كُربتهم ولَم يخلصوا لله صادقين لأنَّهم إذا زالت عنهم الشّدة رجعوا إلى شركهم بالله تبارك وتعالى و باطلهم.
كما قال جل وعلا: {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}[سورة العنكبوت: 65]
والحاصل أن هذا الكتاب القواعد الأربع هو من أنفع القواعد في باب الاعتقاد، وبيان التوحيد الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأُنزلت به الكتب لبيان أنواع الشرك بالله جل وعز، وبيان ما كان عليه المشركون على اختلاف أصنافهم وتعدد أممهم وأجيالهم.
وما ذلك إلا من أجل أن يفقه الإنسان توحيده وأن يفهم ضروب الشرك التي حذَّر الله تبارك وتعالى منها فيجتنب ذلك باطنًا وظاهرًا، فرحِم الله الإمام محمد بن عبد الوهاب وجزاه الله عن الأمة خير الجزاء، والله أعلى وأعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين .
وتم المقصود ولله الحمد والمنة، نسأل الله تعالى التوفيق والسداد.
تعليقات
إرسال تعليق