التوسل المشروع والممنوع في الشريعة الإسلامية

التوسل المشروع والممنوع في الشريعة الإسلامية

الحمد لله الذي شرع الوسائل المشروعة المحمودة، وحرم الوسائل الشركية البدعية الممنوعة، والصلاة والسلام على رسوله محمدٍ صاحب الوسيلة والمقام المحمود، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين 

أما بعد:

هذه كلمات يسيرة في بيان التوسل المشروع، والتوسل الممنوع كتبتها نصحًا لله ولرسوله، وعامة الملسمين جعلها رب العزة تبارك وتعالى خالصة لوجهه الكريم سبحانه.

تعريف التوسل: هو التقرب إلى الله تعالى بطاعةٍ أو عبادةٍ أو اسمٍ من أسمائه أو صفةٍ من صفاته، طلباً لتحقيق مرغوب أو دفع مكروه. 

فالتوسل إذا هو اتخاذ الوسيلة للوصول إلى المقصود،

والتوسل في الشريعة الإسلامية يُقسمه العلماء إلى قسمين رئيسيين: توسل مشروع، وتوسل ممنوع (بدعي أو شركي)

وإليك تفصيل ذلك:

​أولاً: التوسل المشروع: ​وهو الذي وردت به الأدلة الشرعية، ويكون وسيلة للتقرب من الله سبحانه وتعالى وإجابة الدعاء، وله ثلاث صور:

​التوسل بأسماء الله وصفاته: وهو أعظم أنواع التوسل، كأن تقول: "اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي"، أو "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث".

ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [سورة الأعراف: 180].

​ومن السنة: كان النبي صلى الله عليه وسلم- يقول في دعاء الكرب: «يا حيُّ يا قيومُ برحمتِك أستغيثُ». أخرجه الترمذي وغيره. من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.د، وصححه الألباني.

و​التوسل بالأعمال الصالحة: كأن يتوسل العبد بعمل صالح اخلص فيه لله،  والدليل عليه هو حديث "أصحاب الغار الثلاثة" المشهور في الصحيحين: ​حيث انطبقت عليهم صخرة سدت مخرج الغار، فقال بعضهم لبعض: «إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم».

​فتوسل الأول بـ بر والديه، والثاني بـ عفته عن الحرام، والثالث بـ أدائه للأمانة، فاستجاب الله لهم وانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون.

و​التوسل بدعاء الرجل الصالح في حياته:

كأن كان رجل يُرجى منه الخير والصلاح وتقول له: "ادعُ الله لي"، وهذا جائز ما دام الشخص حياً حاضراً، كما كان الصحابة يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم- أن يدعو لهم.

وقال تعالى عن أبناء يعقوب عليه السلام: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [سورة يوسف: 97-98].

و​من السنة: حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما قحط الناس، فاستسقى بالعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه (أي طلب منه أن يدعو الله للسقيا)، فقال: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا» رواه البخاري. والمقصود هنا التوسل بدعاء العباس وهو حي حاضر.

ثانياً: التوسل الممنوع البدعي، ​وهو التوسل الذي لم يرد فيه دليل شرعي، ويُعتبر ذريعة للوقوع في الشرك، ومن أمثلته:

​التوسل بجاه الأشخاص أو ذواتهم:

مثل قول: "اللهم إني أسألك بجاه فلان" أو "بحق فلان". هذا النوع اعتبره جمهور العلماء من البدع المنكرة لأن جود الله لا يُنال بجاه المخلوق، بل بطاعة الله والعمل الصالح.

​التوسل بالأموات: سواء بطلب الدعاء منهم أو التوسل بذواتهم، وهذا يخرج من كونه بدعة إلى الشرك الأكبر إذا استغاث بهم الشخص من دون الله أو اعتقد أنهم يملكون نفعاً أو ضرا.

والتوسل بالجاه والقدر (بدعي) سواء بجاه النبي صلى الله عليه وسلم، أو بجاه الصالحين.

و​يستدل العلماء على منع هذه الأنواع بالقواعد الشرعية العامة:

​التوسل بجاه الأشخاص أو ذواتهم الأصل: أن العبادات توقيفية، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم- ولا عن صحابته أنهم توسلوا بجاه أحد، ولو كان خيراً لسبقونا إليه.

و​القاعدة: في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» متفق عليه عند البخاري ومسلم. من حديث عائشة رضي الله عنها، فالتوسل بالجاه لم يشرعه الله عزوجل، ولم يفعله أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

​التوسل بالأموات هو الشرك الأكبر ​قال تعالى عن حال المشركين: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ [سورة الزمر: 3]. 

فالله عز وجل انكر عليهم جعل الوسائط بينهم وبينه، ​وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 106]، والظلم هنا بمعنى الشرك.

فالفرق الجوهري بين التوسل المشروع والممنوع هو أن المشروع يربط العبد بربه جل وعلا- مباشرة عبر أسمائه أو عمل العبد نفسه. بينما التوسل الممنوع يربط القلب بالمخلوق ويصرفه عن الخالق سبحانه وتعالى.

كتبه/

أبو أنس عبدالحميد بن علي الزوي

عشية يوم الأربعاء الخامس من شهر شوال عام ١٤٤٧ هجري.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

من أحكام يوم الجمعة

نبذه مختصرة على كتاب القواعد الأربع

من أسباب ضعف الإيمان