مسالة في الترحم على من مات من أهل البدع.
مسالة في الترحم على من مات من أهل البدع، ولم تخرجه بدعته من دائرة الإسلام أوكان من أهل الفسق والفجور.
الحمد لله، وبعد :فأهل السنة وسط بين طرفين منحرفين، بين الحدادية الغلاة، والمميعة للحق المفرطة فيه.
فالحدادية الغلاة اليوم لا يرون الترحم على من مات من أهل البدع وهو في دائرة الإسلام مطلقاً بل يرون من يترحم عليه يلحق به.
والمميعة للحق المفرطين فيه يرون الترحم عليهم مطلقا دون تفصيل.
والحق عند أهل السنة والجماعة السلف الصالح.
فلابد من التفصيل فأهل السنة والجماعة السلف الصالح، يرون الذي لا يترحم عليه ويستغفر له هو من خرج من دائرة الإسلام. فلا يترحم عليه، ولا يستغفر له.
كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾
(سورة التوبة: ١١٣).
وقوله تعال ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (سورة التوبة ٨٠). فمن هذا حاله من أهل البدع والأهواء وغيرهم فلا يدعو ولا يستغفر له.
أما من كان في دائرة الإسلام وهو من أهل البدع والأهواء أومن أهل الفسق والفجور، فلا حرج أن يدعى له بالرحمة والمغفرة.
ولكن الأفضل لمن كان من أهل الفضل، والمكانة الحسنة عند الناس ويقتدى به، أن يترك ذلك من باب الزجر لغيره من أهل البدع والفسوق والفجور، لأن هذا فيه مصلحة لغيره من أهل البدع والفسوق والفجور. لعلهم ينزجروا بذلك.
يقول: ابن تيمية -رحمه الله-.
في كتابه "منهاج السنة النبوية" (ج ٥ / ص٢٣٥)
"فكل مسلم لم يُعلم أنه منافق جاز الاستغفار له والصلاة عليه، وإن كان فيه بدعة أو فسق، لكن لا يجب على كل أحد أن يصلي عليه، وإذا كان في ترك الصلاة على الداعي إلى البدعة والمظهر للفجور: مصلحة من جهة انزجار الناس، فالكف عن الصلاة كان مشروعا لمن كان يؤثّر ترك صلاته في الزجر بأن لا يصلى عليه. كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيمن قتل نفسه: " صلوا على صاحبكم "، وكذلك قال في الغال: " صلوا على صاحبكم "، وقد قيل لسمرة بن جندب: "إن ابنك لم ينم البارحة. فقال: أبشما ؟ قالوا: بشما. قال: لو مات لم أصل عليه. يعني: لأنه يكون قد قتل نفسه" انتهى بتصرف.
وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة السلف الصالح الحق، وسط بين طرفين، بين الغالي فيه، وبين الجافي المميع للحق المفرط فيه.
والحاصل: لا بد من التفريق بين من عنده بدعة مكفرة فمثل هذا لا يدعى له ولا حتى يصلى عليه، أما من كانت عنده بدع غير مكفرة فإن الأصل أن يصلي عليه، ويدعى له بالرحمة والمغفرة.
فإذا ترك الإمام، أو أهل العلم والفضل، ومن يقتدي بهم"الصلاة" على من عنده بدع غير مكفرة، أوفسوق أوفجور ظاهر ، فإنما هذا من باب الزجر لهم، وفيه مصلحة لغيرهم.
والموفق من وفقه رب العزة -جل وعلا- لوسطية أهل السنة والجماعة في كل ما هو قربة لله سبحانه وتعالى، والله أعلى وأعلم، والحمد لله رب العالمين.
✍كتبه/
أبو أنس عبدالحميد بن علي الزوي.
بتاريخ ٢٦ خلت من شهر شعبان عام ١٤٤٤ من الهجرة النبوية.
تعليقات
إرسال تعليق