الأصل في الدعوة الرفق
الأصل في الدعوة الرفق
قرأه وأثنى عليه الشيخ الدكتور عبدالله بن صلفيق الظفيري
حفظه الله تعالى وبارك فيه وفي علمه.
********
الحمد لله رب الله العالمين، والصلاة والسلام على خير من دعا وعلم نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
روى البخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "علموا ويسروا ولا تعسروا..."(1).
وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرفق لا يكون في شى ء إلا زانَهُ، ولا ينزع من شيء إلا شَانَهُ" (2).
أخي الداعية إلى الله جل وعلا تأمل ما في هاذين الحديثين من أخلاق جمة، وتوجيه نبوي شريف في حرص النبي الكريم عليه الصلاة والسلام في دعوة الناس إلى هذا الدين العظيم والحث على التيسير في الدعوة إلى الله وعدم التعسير، والحث على الرفق في الأمر كله، كما قال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: "إن الله يحب الرفق في الأمر كله"(3)، قال ابن حجر في فتح الباري : باب الرفق في الأمر كله: قال: الرفق هو : " لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأسهل، وهو ضد العنف ". وجاء في رواية عند مسلم من حديث جرير بن عبد الله الجبلي رضي الله عنه "من يحرم الرفق يحرم الخير"(4)، ففي هذه الأحاديث فضل الرفق والحث عليه وذم العنف والتحذير منه، فالناس في أمس الحاجة إلى من يدعوهم، ويعلمهم أمر دينهم بالرفق واللين، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}(5).
وامتدح الله جل وعلا نبيه - صلى الله عليه وسلم- بقوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}(6).
حريص أي : على هدايتكم ووصول الخير والنفع إليكم، وأعظم الخير والنفع سلامة الاعتقاد من الشرك والبدع وأنواع الضلال.
وعندما أمر الله تبارك وتعالى موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام بالذهاب إلى فرعون ليدعوانه للإيمان بالله جل وعلا فقال لهما : {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}(7)، وهذا فرعون على ما عنده من الكفر والطغيان أمرهما الله جلا وعلا أن يدعوانه بكلام رقيق لين قريب سهل، ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع، لعله يرجع عما هو فيه من الطغيان والضلال والهلكة.
وهكذا يجب أن يكون الداعية السلفي إلى الله جل وعلا على طريق الأسلاف في الدعوة إلى الله بالرفق واللين، وأن يكون حريصاً كل الحرص على دعوة الناس إلى هذا المنهج العظيم، الذي والله لا نجاة لهذه الأمة الإسلامية إلا بالتمسك به والرجوع إليه في جميع شؤون الحياة.
والمتأمل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، يرى الرفق و الرحمة والحكمة في الدعوة إلى الله، وهذه هي الطريقة النبوية الشريفة في الدعوة إلى الله، وإصلاح الأخطاء، وعلاجها.
وإليك بعضًا من دروسه ومواقفه عليه الصلاة والسلام في تعامله مع الناس في تعليمهم أمر دينهم .
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بينما نحن في المسجد مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: مَه مَهْ[8]، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لا تُزرِمُوهُ "[9]، (دعوه) فتركوه حتى بال، ثم إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم دعاه فقال لـه: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر اللَّه عز وجل، والصلاة وقراءة القرآن"، أو كما قال رسول اللَّه قال: فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنّه[10] عليه(11).
وقد ذكر البخاري أن هذا الرجل هو الذي قال: "اللَّهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً"، فعن الزهري قال أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قام رسول اللَّه وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللَّهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحدًا، فلما سلم النبي قال للأعرابي: "لقد حجرت واسعاً"يريد رحمة اللَّه.(12).
وهذا موقف أخر من مواقفه عليه الصلاة والسلام: فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: إن فتى شاباً أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا !، فأقبل القوم عليه فزجروه ، وقالوا : مَه مَه، فقال : ادنه ، فدنا منه قريبا، قال: فجلس، قال: "أتحبه لأمك؟، قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟، قال: لا واللَّه، يا رسول اللَّه جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال أفتحبه لخالتك؟ قال: لا واللَّه جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم قال: فوضع يده عليه وقال: اللَّهمّ اغفر ذنبه وطهر قلبه، وحَصِّنْ فرْجَه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء"(13).
وهذا موقف أخر من مواقفه عليه الصلاة والسلام: جاء رجل إلى -النبي صلَّى الله عليه وسلم- فقال : يا رسول الله إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها فأنا هذا، فافق في ما شئت، فقال له عمر : لقد سترك الله، لو سترتَ نفسك، قال فلم يرد النبي -صلّى الله عليه وسلم- شيئا، فقام الرجل فانطلق . فأتبعه -النبي صلى الله عليه وسلَّم- رجلًا دعاه، وتلا عليه هذه الآيةَ : {أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الّليْلِ ، إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}، سورة هود. فقال رجل من القوم : يا نبي الله ! هذا له خاصة ؟ قال " بل للناس كافة "، وفي رواية : يا رسول الله ! هذا لهذا خاصة ، أو لنا عامة ؟ قال " بل لكم عامة " (14).
ففي هذه المواقف من الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام دروس وعبر لمن أراد أن يدعو إلى الله عز وجل فعليه أن يكون رحيماً رفيقاً حكيماً في دعوة الناس إلى الله عز وجل.
يقول الله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}(15).
يقول العلامة الشنقيطي -رحمه الله- في تفسيره."فإن كانت دعوته إلى الله بقسوة وعنف وخرق، فإنها تضر أكثر مما تنفع، فلا ينبغي أن يسند الأمر بالمعروف إسناداً مطلقاً، إلا لمن جمع بين العلم والحكمة والصبر على أذى الناس، لأن الأمر بالمعروف وظيفة الرسل، وأتباعهم وهو مستلزم للأذى من الناس، لأنهم مجبولون بالطبع على معاداة من يتعرض لهم في أهوائهم الفاسدة، وأغراضهم الباطلة"(16)اهـ.
ويقول العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي -رحمه الله- في تفسيره على هذه الآية الكريمة.
"أي: ليكن دعاؤك للخلق مسلمهم وكافرهم إلى سبيل ربك المستقيم المشتمل على العلم النافع والعمل الصالح بِالحكمة أي: كل أحد على حسب حاله وفهمه وقبوله وانقياده، ومن الحكمة الدعوة بالعلم لا بالجهل، والبداءة بالأهم فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبما يكون قبوله أتم، وبالرفق واللين، فإن انقاد بالحكمة، وإلا فينتقل معه بالدعوة بالموعظة الحسنة، وهو الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب".اهـ (17).
فتأمل رعاك الله هذا الكلام لجهابذة العلماء، وهذه الأحاديث النبوية الشريفة من الرسول صلى الله عليه وسلم في حرصه على دعوة الناس إلى الإسلام بالرفق، واللين، والموعظة الحسنة.
وكذلك الأئمة الأعلام على هذا الطريق، فهذا إمام عَصرهِ الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله باز -رحمه الله- يقول: " ....هذا العصر عصر الرفق والصبر والحكمة, وليس عصر الشدة الناس أكثرهم في جهل, في غفلة إيثار للدنيا, فلا بد من الصبر, ولا بد من الرفق حتى تصل الدعوة, وحتى يبلغ الناس وحتى يعلموا نسأل الله للجميع الهداية . "(19).
والله عز وجل يأمرنا أن نتأسى برسوله عليه الصلاة والسلام في جميع شؤون الحياة.
قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}(18)، قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تفسير عند هذه الآية: "هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله".اهـ (20)
نسأل الله جل وعلا لنا ولكم جميعاً التوفيق والسداد والإخلاص في القول والعمل، وأن نكون هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
✍️كتبه:
أبو أنس عبد الحميد بن علي الزوي
عصر يوم الأحد بتاريخ 11 من شهر ذو القعدة / عام 1437 من الهجرة النبوية
الموافق 14 / 8 / 2016 ميلادي.
................................
الحاشية :
(1) رواه البخاري في الأدب المفرد برقم (245)، وصححه الألباني في الصحيحة برقم (1375)
(2) صحيح الترغيب والترهيب برقم (2665)
(3) رواه البخاري برقم (6024)
(4) رواه مسلم برقم (2592)
(5) [سورة آل عمران: آية 159]
(6) [سورة التوبة، آية: 128]
(7) [سورة طه: آية 43-44]
(8) مَهْ مَهْ : كلمة زجر.
(9) لا تُزْرِمُوهُ: أي لا تقطعوا عليه بوله. والإزرام: القطع.
(10) فَشَنّهُ: بمعني صبه عليه.
(11) رواه مسلم برقم (285)، انظر شرح النووي على مسلم، و البخاري برقم (6025)
(12) رواه البخاري برقم (6010)، انظر الفتح، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم.
(13) رواه الإمام أحمد وصححه الألباني رحمه الله في الصحيحة برقم (645)
(14) رواه مسلم برقم (2763)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(15) [سورة النحل، (آية: 125)]
(16) [تفسير الشنقيطي (ج 2)]
(17) [تفسيره السعدي]
(18) [سورة الأحزاب، (الآية:21)]
(19) ["مجموع فتاوى" (ج8 /376)]
(20) ["تفسير ابن كثير" (ج3)].
تعليقات
إرسال تعليق