من مظاهر الشرك والبدع بناء المساجد على القبور والصلاة عندها
من مظاهر الشرك والبدع بناء المساجد على القبور والصلاة عندها.
الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام ديناً، والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
فهذه سطور كتبتها في التحذير من مظاهر الشرك والبدع بناء المساجد على القبور، والصلاة عندها، كما جاءت السنة النبوية في التحذير من ذلك، وهذا التحذير والوعيد الشديد حماية لجناب التوحيد وخوفًا من المبالغة في تعظيمها والافتتان بها، فربما أدى ذلك إلى الكفر والشرك بالله جل وعلا، كما جرى لكثير من الأمم الخالية فجاءت الشريعة في سد مظاهر الشرك والبدع، نسأل الله جل وعلا أن ينفع بها ويجعلها خالصة لوجهه الكريم سبحانه وتعالى، ومن أفضل ما كتب في ذلك كتاب للمحدث الإمام محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله- بعنوان "تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد". ننصح بالرجوع إليه لما له من أهمية عظيمة في بابه، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
(بناء المساجد على القبور من عادات اليهود والنصارى)
فَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنهما جميعًا، ذكرتا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ".(1) في هذا الحديث وصف من يفعل ذلك بأنه من شرار خلق الله جل وعلا نسال الله السلامة والعافية،
قال الحافظ بن حجر العسقلاني:"الحديث دليل على تحريم التصوير، وفيه كراهية الصلاة في المقابر سواء كانت بجنب القبر أو عليه أو إليه".(2).
وعَنْ عَائِشَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ جميعًا، قَالاَ: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: "لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا".(3).
وعَنْها أيضًا رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَعَنْ أَبِيهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" قَالَتْ: "فَلَوْلَا ذَاكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ - أو خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا"(4).
وَعَنْ جُنْدُبٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُولَ: "... أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ ".(5).
قال النووي في شرحه على مسلم: "قال العلماء: إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا خوفًا من المبالغة في تعظيمه والافتنان به، فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية، ولما احتاجت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة رضي الله عنها مدفن رسول الله صلى الله عليه وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بنوا على القبر حيطانًا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد، فيصلي إليه العوام ويؤدي المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر، ولهذا قالت في الحديث: لولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا"، والله تعالى أعلم بالصواب.(6).
وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : "اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ"(7).
في هذه النصوص من السنة النبوية الصحيحة تحريم بناء المساجد على القبور، أو إدخال القبور إليها، أو تُجعل مقابر لدفن الموتى ، وأن هذا الفعل من أفعال اليهود والنصارى فالواجب منع ذلك مطلقًا سدا للذريعة وحماية لجناب التوحيد.
وفي الأحاديث أيضًا النهي الأكيد والوعيد الشديد على ذلك، منها أن من يفعل ذلك يكن من شرار خلق الله تبارك وتعالى، وبفعلهم هذا يستحقون لعنة الله جل وعلا، وهو الطرد والإبعاد من رحمة الله تبارك وتعالى، ومنها أيضًا اشتداد غضب الرب تبارك وتعالى عليهم، ومن يغضب الرب تبارك وتعالى عليه فأي خير وأي فلاح يرجوه أو ينتظره.
(ونهى صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى القبور).
فعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا "(8).
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ، إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ"(9).
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : "اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا"(10).
وَعَنْ أَبِـي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "نهى أن يُبنى على القبورِ، أو يُقعَدَ عَلَيْهَا، أَوْ يُصلّى عَلَيْهَا"(11).
وجاء في حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "لا تُصلّوا إلى قبرٍ، ولا تُصلّوا على قبرٍ. "(12).
وهذه النهي للتحريم، قال المحدث الألباني-رحمه الله-: "سواء كان القبر أمام المصلى أو خلفه أو عن يمينه أو عن يساره، لعموم الأحاديث"(13) انتهى. وهذا سداً لذريعة الشرك وحماية لجناب التوحيد.
(واستثنى بعض العلماء صلاة الجنازة لورود بعض الأحاديث الصحيحة في ذلك).
أخرج البخاري من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللهُ عُنْهُمَا، قَالَ: "مَاتَ إِنْسَانٌ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ، فَمَاتَ بِاللَّيْلِ فَدَفَنُوهُ لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخْبَرُوهُ فَقَالَ: "مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُعْلِمُونِي؟" قَالُوا: "كَانَ اللَّيْلُ فَكَرِهْنَا ـ وَكَانَتْ ظُلْمَةٌ أَنْ نَشُقَّ عَلَيْكَ"، فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ".(14)، والرجل هو الصحابي الجليل: طلحة بن البراء بن عمير البلوي رضي الله عنه.
وفي صحيح مسلم، من حديث عَبْدِاللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: "انْتَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَبْرٍ رَطْبٍ؛ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَصَفُّوا خَلْفَهُ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا"(15).
ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية اتفاق الأئمة النهي عن بناء المساجد على القبور قال -رحمه الله-: " اتفق الأئمة أنه لا يُبنى مسجد على قبر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك"، وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد، فإن كان المسجد قبل الدفن غُيِّر؛ إما بتسوية القبر، وإما بنبشه إن كان جديدًا، وإن كان المسجد بني بعد القبر فإما أن يُزال المسجد وإما أن تُزال صورة القبر، فالمسجد الذي على القبر لا يُصلى فيه فرض ولا نفْل؛ فإنه منهي عنه "(16) انتهى بتصرف.
وذكر البخاري عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في تفسير [سورة نوح، آية (23)]، عن قوله جل وعلا: {وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا}، قال إن هؤلاء الخمسة أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عُبدت.(17).
فعلى المسلمين اليوم أن يحذَروا مظاهر الشرك بالله جل وعلا، والبدع، ويُحذِّروا منها وسدا للأبواب المفضية إلى ذلك، لتسلم لهم عقيدتهم من الفساد ومن الأمور المنكرة البدعية ومن مشابهة اليهود والنصارى، ويحفظُ عقيدتهم من الزيغ والانحراف.
والله أعلى وأعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.
كتبه أبو أنس عبد الحميد بن علي الزوي
وفقه الله تعالى ونفع به.
20 من شهر جمادي الأول عام 1444من الهجرة النبوية.
.......................
الحاشية:
(1) رواه البخاري برقم(427)، ومسلم(528)، والنسائي برقم(704)، وأحمد(24252)
(2) انتظر: فتح الباري لابن حجر العسقلاني، عند حديث رقم(427)
(3) رواه البخاري برقم(436)، ومسلم برقم(531).
(4) رواه البخاري برقم(1390)، ومسلم برقم(529).
(5) رواه مسلم برقم(532).
(6) انظر: شرح للنووي على مسلم، عند حديث رقم(532)
(7) رواه مالك في الموطأ برقم(472).
(8) رواه مسلم برقم(972)، وأصحاب السنن إلا ابن ماجه.
(9) رواه أبو داود برقم(492)، والترمذي برقم(317)، وابن ماجه برقم(745)، وأحمد برقم(11805)، وصححه الألباني.
(10) رواه البخاري برقم(432)، ومسلم برقم(777).
(11) صحح الألباني -رحمه الله- إسناده في تحذير الساجد، ص،(22)
(12) رواه الطبراني من حديث عن ابن عباس رضي الله عنهما، وصححه الألباني رحمه الله في الصحيحة برقم(1016).
(13) كتابه: "أحكام الجنائز"، (ص274).
(14) رواه البخاري برقم(1247).
(15) رواه مسلم برقم(954).
(16) في مجموع فتاوى ابن قاسم -رحمه الله-: (ج22/ص120) (طبعة المكتبة التوفيقية).
(17) رواه البخاري برقم(4920)، كتاب التفسير، سورة نوح.
تعليقات
إرسال تعليق